السيد محمد تقي المدرسي

181

من هدى القرآن

يبحث عن علم ويقين ، وأن جهلهم بربهم ناشئ من نقص فيهم ، حيث سدوا منافذ قلوبهم عن نور المعرفة . [ 25 ] كان الحديث بين موسى وفرعون ، فأدار فرعون رحاه باتجاه الملأ من حوله ، لماذا ؟ هل خشي أن ينقلبوا عليه ، أم أراد أن يتظاهروا على موسى حين شعر بضعف حجته ؟ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ أسأله عن شيء فيجيبني عن شيء آخر . وفي حديثه نبرة استهزاء ، وكأنه يقول : إن حجته ضعيفة . [ 26 ] لم يأبه موسى عليه السلام بسخريته ، والتزم نهجه القويم في التذكرة بالرب ، وتحطيم أغلال الجهل عن أنفسهم . قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمْ الأَوَّلِينَ فهو الله الذي كان على آبائكم التسليم له ، فلا يجوز التسليم لآبائكم إن كانوا كافرين به ، ولا ينبغي تقديسهم ، والجمود على أفكارهم البالية ، وإذا شمل آباءكم العذاب بسبب كفرهم بالرب فإن ذات العذاب سينزل عليكم لذات السبب ، هكذا فك غل عبودية الآباء عنهم ، وحذرهم من مغبة الجحود . [ 27 ] وخرج فرعون عن طوره ، واتهم موسى بالجنون ، مستخدما أسلوبه الساخر ، إذ وجه الخطاب إلى الملأ كي يثير فيهم العصبية . قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمْ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ هكذا بلغت الرعونة عند فرعون ذروتها حيث أنه اتهم رسول الله رب العالمين بالجنون . [ 28 ] أما موسى الذي لم يرهب إعلام فرعون التظليلي ، ولم يغضب لنفسه ، فقد مضى في سبيله يدعو إلى ربه بالتذكرة تلو التذكرة قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ وهذا بذاته دليل صدق دعوته أنه لم يقم لنفسه بل لربه ، ولا يدعو إلى ذاته بل إلى الله ، وهكذا ينبغي أن يتحمل الرساليون كل أذى ، ولا ينهاروا بسبب تهم الطغاة أنى كانت كبيرة . [ 29 ] وانقلب فرعون خائبا من أسلوبه التضليلي الساخر ، فاتجه إلى التهديد : قَالَ لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلَهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِينَ إن الطغاة يرهبهم قوة المنطق فيلجئون إلى منطق القوة ، ويخافون على عروشهم فلا يتورعون عن ارتكاب أية جريمة . ولكن موسى عليه السلام وكل الدعاة إلى الله سوف يبلغون مستوى عاليا من النصر عندما يعرون النظام من لباس التضليل ، ويلجئونه إلى استخدام آخر وسيلة لهم للسيطرة ألا وهي الإرهاب .